Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة الفتح - الآية 1

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) (الفتح) mp3
سُورَة الْفَتْح مَدَنِيَّة بِإِجْمَاعٍ , وَهِيَ تِسْع وَعِشْرُونَ آيَة . وَنَزَلَتْ لَيْلًا بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة فِي شَأْن الْحُدَيْبِيَة . رَوَى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة وَمَرْوَان بْن الْحَكَم , قَالَا : نَزَلَتْ سُورَة الْفَتْح بَيْن مَكَّة وَالْمَدِينَة فِي شَأْن الْحُدَيْبِيَة مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرهَا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِير فِي بَعْض أَسْفَاره وَعُمَر بْن الْخَطَّاب يَسِير مَعَهُ لَيْلًا فَسَأَلَهُ عُمَر عَنْ شَيْء فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ , ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ , فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : ثَكِلَتْ أُمّ عُمَر , نَزَرْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاث مَرَّات كُلّ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْك , فَقَالَ عُمَر : فَحَرَّكْت بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْت أَمَام النَّاس وَخَشِيت أَنْ يَنْزِل فِيَّ قُرْآن , فَمَا نَشِبْت أَنْ سَمِعْت صَارِخًا يَصْرُخ بِي , فَقُلْت : لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُون نَزَلَ فِيَّ قُرْآن , فَجِئْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ , فَقَالَ : [ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَة سُورَة لَهِيَ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس - ثُمَّ قَرَأَ - " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا " ] لَفْظ الْبُخَارِيّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حَسَن غَرِيب صَحِيح . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ قَتَادَة أَنَّ أَنَس بْن مَالِك حَدَّثَهُمْ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْك وَيَهْدِيك صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا - إِلَى قَوْله - فَوْزًا عَظِيمًا " مَرْجِعه مِنْ الْحُدَيْبِيَة وَهُمْ يُخَالِطهُمْ الْحُزْن وَالْكَآبَة , وَقَدْ نَحَرَ الْهَدْي بِالْحُدَيْبِيَةِ , فَقَالَ : [ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَة هِيَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا جَمِيعًا ] . وَقَالَ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الْيَهُود شَتَمُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَل بِي وَلَا بِكُمْ " [ الْأَحْقَاف : 9 ] وَقَالُوا : كَيْف نَتَّبِع رَجُلًا لَا يَدْرِي مَا يُفْعَل بِهِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ " . وَنَحْوه قَالَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَل بِي وَلَا بِكُمْ " [ الْأَحْقَاف : 9 ] فَرِحَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا : كَيْف نَتَّبِع رَجُلًا لَا يَدْرِي مَا يُفْعَل بِهِ وَلَا بِأَصْحَابِهِ , فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة : " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا " أَيْ قَضَيْنَا لَك قَضَاء . فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة تِلْكَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَة مَا يَسُرّنِي بِهَا حُمْر النَّعَم ] . وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ : بَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ سُورَة الْفَتْح فِي أَوَّل لَيْلَة مِنْ رَمَضَان فِي صَلَاة التَّطَوُّع حَفِظَهُ اللَّه ذَلِكَ الْعَام .

اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْفَتْح مَا هُوَ ؟ فَفِي الْبُخَارِيّ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَر قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ سَمِعْت قَتَادَة عَنْ أَنَس " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا " قَالَ : الْحُدَيْبِيَة . وَقَالَ جَابِر : مَا كُنَّا نَعُدّ فَتْح مَكَّة إِلَّا يَوْم الْحُدَيْبِيَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : تَعُدُّونَ أَنْتُمْ الْفَتْح فَتْح مَكَّة وَقَدْ كَانَ فَتْح مَكَّة فَتْحًا وَنَحْنُ نَعُدّ الْفَتْح بَيْعَة الرِّضْوَان يَوْم الْحُدَيْبِيَة , كُنَّا نُعَدّ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَع عَشْرَة مِائَة , وَالْحُدَيْبِيَة بِئْر . وَقَالَ الضَّحَّاك : " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا " بِغَيْرِ قِتَال . وَكَانَ الصُّلْح مِنْ الْفَتْح . وَقَالَ مُجَاهِد : هُوَ مَنْحَره بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلْقه رَأْسه . وَقَالَ : كَانَ فَتْح الْحُدَيْبِيَة آيَة عَظِيمَة , نُزِحَ مَاؤُهَا فَمَجَّ فِيهَا فَدَرَّتْ بِالْمَاءِ حَتَّى شَرِبَ جَمِيع مَنْ كَانَ مَعَهُ . وَقَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة : قَالَ رَجُل عِنْد مُنْصَرَفهمْ مِنْ الْحُدَيْبِيَة : مَا هَذَا بِفَتْحٍ , لَقَدْ صَدُّونَا عَنْ الْبَيْت . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ بَلْ هُوَ أَعْظَم الْفُتُوح قَدْ رَضِيَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَدْفَعُوكُمْ عَنْ بِلَادهمْ بِالرَّاحِ وَيَسْأَلُوكُمْ الْقَضِيَّة وَيَرْغَبُوا إِلَيْكُمْ فِي الْأَمَان وَقَدْ رَأَوْا مِنْكُمْ مَا كَرِهُوا ] . وَقَالَ الشَّعْبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى : " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا " قَالَ : هُوَ فَتْح الْحُدَيْبِيَة , لَقَدْ أَصَابَ بِهَا مَا لَمْ يُصِبْ فِي غَزْوَة , غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ , وَبُويِعَ بَيْعَة الرِّضْوَان , وَأُطْعِمُوا نَخْل خَيْبَر , وَبَلَغَ الْهَدْي مَحِلّه , وَظَهَرَتْ الرُّوم عَلَى فَارِس , فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ أَهْل الْكِتَاب عَلَى الْمَجُوس . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : لَقَدْ كَانَ الْحُدَيْبِيَة أَعْظَم الْفُتُوح , وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إِلَيْهَا فِي أَلْف وَأَرْبَعمِائَةٍ , فَلَمَّا وَقَعَ الصُّلْح مَشَى النَّاس بَعْضهمْ فِي بَعْض وَعَلِمُوا وَسَمِعُوا عَنْ اللَّه , فَمَا أَرَادَ أَحَد الْإِسْلَام إِلَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ , فَمَا مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتَانِ إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ قَدْ جَاءُوا إِلَى مَكَّة فِي عَشَرَة آلَاف . وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا وَالْعَوْفِيّ : هُوَ فَتْح خَيْبَر . وَالْأَوَّل أَكْثَر , وَخَيْبَر إِنَّمَا كَانَتْ وَعْدًا وُعِدُوهُ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي قَوْله تَعَالَى : " سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ " [ الْفَتْح : 10 ] وَقَوْله : " وَعَدَكُمْ اللَّه مَغَانِم كَثِيرَة تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ " [ الْفَتْح : 20 ] . وَقَالَ مُجَمِّع بْن جَارِيَة - وَكَانَ أَحَد الْقُرَّاء الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآن - : شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَة مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا اِنْصَرَفْنَا عَنْهَا إِذَا النَّاس يَهُزُّونَ الْأَبَاعِر , فَقَالَ بَعْض النَّاس لِبَعْضٍ : مَا بَال النَّاس ؟ قَالُوا : أَوْحَى اللَّه إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَخَرَجْنَا نُوجِف فَوَجَدْنَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد كُرَاع الْغَمِيم , فَلَمَّا اِجْتَمَعَ النَّاس قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا " فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : أَوَفَتْح هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : [ نَعَمْ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْح ] . فَقُسِّمَتْ خَيْبَر عَلَى أَهْل الْحُدَيْبِيَة , لَمْ يَدْخُل أَحَد إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَة . وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله تَعَالَى : " فَتْحًا " يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَكَّة فُتِحَتْ عَنْوَة ; لِأَنَّ اِسْم الْفَتْح لَا يَقَع مُطْلَقًا إِلَّا عَلَى مَا فُتِحَ عَنْوَة . هَذَا هُوَ حَقِيقَة الِاسْم . وَقَدْ يُقَال : فُتِحَ الْبَلَد صُلْحًا , فَلَا يُفْهَم الصُّلْح إِلَّا بِأَنْ يُقْرَن بِالْفَتْحِ , فَصَارَ الْفَتْح فِي الصُّلْح مَجَازًا . وَالْأَخْبَار دَالَّة عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَة , وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهَا , وَيَأْتِي .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • جلسة مع مغترب

    جلسة مع مغترب: قال المؤلف - حفظه الله -: «إنه مسلم أقام في بلاد الكفار .. ألقى فيها رحله .. استقرَّ في جَنَباتها .. بعدما عصفت به الرياح .. وضاقت به الأرض .. ففارق الأهل والأوطان .. وسكن في شاسع البلدان .. وهو في شرق الأرض .. وأخوه في غربها .. وأخته في شمالها .. وابنه في جنوبها .. أما ابن عمه فقد انقطعت عنه أخباره فلا يدري إذا ذكره .. هل يقول: حفظه الله! أم يقول: رحمه الله؟!! المغتربون كل واحد منهم له قصة .. وكل أبٍ كسير في صدره مأساة .. وفي وجه كل واحد منهم حكاية .. ولعلنا نقف في هذا الكتاب على شيء من واقعهم .. ونجلس معهم .. نفيدهم ونستفيد منهم».

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/333918

    التحميل:

  • حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية

    حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية: هذا البحث نال جائزة الأمير نايف بن عبد العزيز في مسابقته العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/90728

    التحميل:

  • الإسلام أصوله ومبادئه

    الإسلام أصوله ومبادئه: قال المؤلف - أثابه الله -: «.. قد حاولت - قدر المستطاع - أن أعرض الإسلام في هذا الكتاب عرضًا موجزًا من خلال التعريف بأركان الإسلام ومبادئه العظام، وما يتطلبه البيان من ذكر بعض المسائل والقضايا التي لا بد من التعريف بها عند الدعوة إلى الإسلام».

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1916

    التحميل:

  • قصة البشرية

    قصة البشرية : هذا الكتاب يعرفك بدين الإسلام الذي ختم الله به الأديان، وارتضاه لجميع عباده، وأمرهم بالدخول فيه. وسيتضح لك من خلاله عظمة هذا الدين، وصحة ما جاء به، وصلاحه لكل زمان، ومكان، وأمة.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117066

    التحميل:

  • ذكريات تائب

    ذكريات تائب: سطَّر الشيخ - حفظه الله - في هذه الذكريات قصصًا لبعض التائبين من المعاصي والذنوب قديمًا وحديثًا؛ لأخذ العبرة والعِظة.

    الناشر: موقع الشيخ العريفي www.arefe.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/336170

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة